حكمة الله في جبل الناس على حب أوطانهم
حكمة الله في جبل الناس على حب أوطانهم
أكتوبر 20, 2019
قال ابن الفقيه: ولولا اختلاف شهوات الناس لما اختاروا من الأسماء إلّا أحسنها ومن البلدان إلّا أغذاها ومن الأمصار إلّا أوسطها.
ولو كانوا كذلك لتناحروا على البلدان الغذية ولتقاتلوا على الأمصار المتوسطة، ولما وسعتهم بلاد ولا تمّ بينهم صلح.
إلّا أن رضاهم بأوطانهم، واغتباطهم بمساقط رؤوسهم مانع لهم. والقناعة ببلدانهم وإن كانت الطبيعة مجبولة عليه. وكيف لا يكونون كذلك وأنت لو حوّلت ساكني الآجام إلى الفيافي، وساكني السهل إلى الجبال، وساكني الجبال إلى السهل والبحار، وساكني أهل العمد إلى المدر، لأذاب قلوبهم وأخنى عليهم فرط النزاع. بل لو نقلت أهل القفار إلى العمران وحوّلت من في جزائر البحار إلى المدن، لم تجدهم راضين بذلك ولا قانعين. بل كنت تجدهم يحنون إلى أوطانهم ويتذكرون بلدانهم.
وقال الجاحظ :
[و] لولا ما منّ الله به على كلّ جيل منهم من الترغيب في كل ما تحت أيديهم، وتزيين كلّ ما اشتملت عليه قدرتهم، وكان ذلك مفوّضا إلى العقول، وإلى اختيارات النّفوس- ما سكن أهل الغياض والأدغال في الغمق واللّثق، ولما سكنوا مع البعوض والهمج، ولما سكن سكّان القلاع في قلل الجبال، ولما أقام أصحاب البراري مع الذّئاب والأفاعي وحيث من عزّ بزّ، ولا أقام أهل الأطراف في المخاوف والتّغرير، ولما رضي أهل الغيران وبطون الأودية بتلك المساكن، ولا لتمس الجميع السّكنى في الواسطة، وفي بيضة العرب، وفي دار الأمن والمنعة. وكذلك كانت تكون أحوالهم في اختيار المكاسب والصناعات وفي اختيار الأسماء والشّهوات. ولاختاروا الخطير على الحقير، والكبير على الصغير.
ألا تراهم قد اختاروا ما هو أقبح على ما هو أحسن من الأسماء والصّناعات، ومن المنازل والدّيارات، من غير أن يكونوا خدعوا أو استكرهوا.
ولو اجتمعوا على اختيار ما هو أرفع، ورفض ما هو أوضع من اسم أو كنية، وفي تجارة وصناعة، ومن شهوة وهمّة، لذهبت المعاملات، وبطل التمييز، ولوقع التجاذب والتغالب، ثم التحارب، ولصاروا غرضا للتّفاني، وأكلة للبوار.
المراجع 📚
📘البلدان لابن الفقيه
📘الرسائل للجاحظ
📗المقدمة في التاريخ اليمني
✍🏻عرفات الفتاحي
معنى اللثق الوحل والخسع والغمق كثرة الندى والهمج الذباب الصغير الذي يكون على أفواه وأعين الحمير والغنم ومعنى ذلك بيان قناعة الناس بأوطانهم كيفما كانت.
اصل المقال
https://mawdawn.blogspot.com/2019/10/blog-post_20.html?m=1
تعليقات
إرسال تعليق