وفي التاريخ عبرة...

وفي التاريخ عبرة...

سنة ٥٢٠هـ

بلاد الشام، (وزراء السوء وخيانتهم وتمكين الأعداء)

"فيها كثُرت الإسماعيلية الباطنية بالشام، واستفحل أمر بهرام داعي الباطنيّة بحلب والشّام، وعظُم الخَطْب وهو عَلَى غاية الاختفاء، يغيّر الزيّ، ويطوف البلاد والقلاع، ولا يُعرف.

وكان النّاس والكبار يخافونهم، فرأى الوزير أبو طاهر بن سعد المَزْدقانيّ مِن المصلحة أن يسلّم إلى رئيسهم بهرام حصنًا،
وإن لم يكن عَلَى عقيدته، ولكن أعانه عَلَى بثّ شَرّه، وخَفَّى سرّه ليكون عونًا لَهُ.

فأعطاه الأمير طُغتِكين - أمير دمشق - مدينة بانياس وتألَّم النّاس لذلك.

فتبِعَه جَهَلةٌ وسُفهاء مِن العامّة وأهل البَرّ وتَحَزَّبُوا معه.
وتجمع إليه أوباش استغواهم مُحَالةً وخداعة،
فعظُمت البَليّة بهم،
وتألَّم العلماء وأهل الدّين.

وأحجموا عَنِ الكلام فيهم والتعرض لهم، خوفًا مِن شرّهم؛ لأنّهم قتلوا جماعة من الأعيان،
وصاروا بحيث لَا يُنكر عليهم ملك ولا وزير،
ولا حول ولا قوة إلا بالله".

سنة ٥٢٣هـ

بلاد الشام، (القضاء على الباطنية)

" دخلت وبهرام، في عتوه وتمرده على الله،
ثم حدثته نفسه بقتل برق بن جنْدل من مقدّمي وادي التَّيْم لَا لسبب،
فخدعه إلى أن وقع في يده فذبحه،
وتألّم النّاس لذلك لشهامته وحُسْنه وحداثة سِنّه،
ولعنوا من قتله علانية،

فحملت الحميَّة أخاه الضّحّاك وقومه على الأخذ بثأره، فتجمعوا وتحالفوا على بذل المهج في طلب الثأر،

فعرف بهرام الحال، فقصد بجموعه وادي التّيم، وقد استعدوا لحربه،
فنهضوا بأجمعهم نهضة الأسود،
وبيَّتوه وبذلوا السّيوف في البهراميَّة، وبهرام في مخيمه،
فثار هو وأعوانه إلى السلاح،
فأرهقتهم سيوف القوم وخناجرهم وسهامهم، وقطع رأسُ بهرام لعنه الله.

ثم قام بعده صاحبه إسماعيل العجمي، فحذا في الإضلال والاستغواء حذوه،
وعامله الوزير المَزْدقانيّ بما كان يعامل به بهرامًا، فلم يُمْهله الله، حيث راسلَ الفرنج، لعنهم الله، ليُسلِّم إليهم دمشق، ويُسلَّموا إليه صور، وتواعدوا إلى يوم جمعة،
وقررّ المَزْدقاني مع الباطنيَّة أن يحتاطوا ذلك اليوم بأبواب الجامع، لَا يمكنون أحدًا من الخروج، ليجيء الفرنج ويملك دمشق،
فبلغ ذلك تاج المُلوك بوري بن الأمير طُغتكين، فطلب المَزْدقاني وطمّنه، وقتله وعلَّق رأسه على باب القلعة، في سابع عشر رمضان، وأحرق بدنه، وانقلب البلد بالسّرور وحُمِد الله

وثارت الأحداث والشُّطّار في الحال بالسّيوف والخناجر يقتلون من رأوا من الباطنية وأعوانهم، ومن يتهم بمذهبهم، وتتبعوهم حتى أَفْنَوْهم،
وامتلأت الطُرُق والأسواق بجِيَفهم،
وكان يومًا مشهودًا أعز الله فيه الإسلام وأهله،

وأُخِذ جماعةٌ أعيانٌ منهم شاذي الخادم تربية أبي طاهر الصَائغ الباطنيّ الحلبيّ، وكان هذا الخادم رأس البلاء،
فعوقب عقوبة شَفَت القلوب،
ثمّ صُلِب هو وجماعة على السُّور.

وبقي حاجب دمشق يوسف فيروز، ورئيس دمشق أبو الذّواد مفرج بن الحسن ابن الصّوفيّ يلبسان الدّروع، ويركبان وحولهما العبيد بالسّيوف، لأنهما بالغا في استئصال شأفة الباطنية.

ولمّا سمع إسماعيل الدّاعي وأعوانه ببانياس ما جرى انخذلوا وذلُّوا،
ثم سلَّم إسماعيل بانياس إلى الفرنج،
وتسلل هو وطائفته إلى البلاد الإفرنجية في الذلة والقلة،
ثمّ مرض إسماعيل بالإسهال، وهلك،

فلما عرف الفرنج بواقعة الباطنيَّة، وقد انتقلت إليهم بانياس،
قويت نفوسهم،
وطمعوا في دمشق،
وحشدوا وتألّبوا،
وتجمّعوا من الرُّها، وأنطاكّية، وطرابُلُس، والسّواحل، والقدس، ومن البحر،
وعليهم كُنْدهر الّذي تملّك عليهم بعد بغدوين، فكان نحوًا من ستين ألفًا، من بين فارسٍ وراجل،
فتأهّب تاج الملوك بوري، وطلب التُّرْكُمان والعرب، وأنفق الخزائن،
ثم أقبل الملاعين قاصدين دمشق،
فنزلوا على جسر الخشب والميدان في ذي القعدة من السّنة، وبرز عسكر دمشق، وجاءت التركمان والعرب، وعليهم الأمير مري بن ربيعة وتعبّوا كراديسٍ في عدَّة جهات،

فلم يبرز أحد من الفرنج،
بل لزِموا خيامهم، فأقام الناس أيّامًا هكذا، ثمّ وقع المَصَافّ،
فحمل المسلمون،
وثبت الفرنج،
فلم يزل عسكر الإسلام يكرّ عليهم ويفتك بهم إلى أن فشلوا وخُذلوا،
ثمّ ولّى كليام مقدَّم شجعانهم في فريقٍ من الخّيالة، ووضع المسلمون فيهم السّيف، وغُودروا صَرْعَى، وغنم المسلمون غنيمة لَا تُحَدّ ولا توصف،

وهرب جيش الفرنج في اللّيل،

وابتهج الخلْق بهذا الفتح المبين.

وانفرجت الكربة وجاء من نصر الله تعالى ما لم يخطر ببال، وأمن النّاس، وخرجوا إلى ضياعهم، وتبدّلوا بالأمن بعد الخوف.
ولله الحمد".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
📚المصدر:
تاريخ الإسلام للذهبي بتصرف واختصار (١١ / ٣٤٢-٣٤٦)..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

السيف اليماني فخر صناعة اليمن القديم ..عرفات الفتاحي

لماذا تركت الشيخ الحجوري